الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

37

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقيل : نزلت في شريكين هما المشار إليهما في قوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ في سورة الكهف [ 32 ] . وروي عن عطاء الخراساني : أنها نزلت في أخوين مؤمن وكافر ، كانا غنيين ، وكان المؤمن ينفق ماله في الصدقات وكان الكافر ينفق ماله في اللذات . وفي هذه الآية عبرة من الحذر من قرناء السوء ووجوب الاحتراس مما يدعون إليه ويزيّنونه من المهالك . [ 58 - 60 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 58 إلى 60 ] أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( 58 ) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 59 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 60 ) عطفت الفاء الاستفهام على جملة قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [ الصافات : 54 ] ، فالاستفهام موجه من هذا القائل إلى بعض المتسائلين . وهو مستعمل في التقرير المراد به التذكير بنعمة الخلود فإنه بعد أن أطلعهم على مصير قرينه السوء أقبل على رفاقه بإكمال حديثه تحدثا بالنعمة واغتباطا وابتهاجا بها ، وذكرا لها فإن لذكر الأشياء المحبوبة لذة فما ظنك بذكر نعمة قد انغمسوا فيها وأيقنوا بخلودها . ولعل نظم هذا التذكر في أسلوب الاستفهام التقريري لقصد أن يسمع تكرر ذكر ذلك حين يجيبه الرفاق بأن يقولوا : نعم ما نحن بميتين . والاستثناء في قوله : إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى منقطع لأن الموت المنفي هو الموت في الحال ، أو الاستقبال كما هو شأن اسم الفاعل فتعيّن أن المستثنى غير داخل في المنفي فهو منقطع ، أي لكن الموتة الأولى . وذلك الاستدراك تأكيد للنفي . وانتصابه لأجل الانقطاع لا لأجل النفي . وعطف وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ليتمحّض الاستفهام للتحدث بالنعمة لأن المشركين أيضا ما هم بميتين ولكنهم معذّبون فحالهم شرّ من الموت . قيل لبعض الحكماء : ما شرّ من الموت ؟ فقال : الذي يتمنى فيه الموت . والظاهر أن جملة إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ حكاية لبقية كلام القائل لرفاقه ، فهي بمنزلة التذييل والفذلكة لحالتهم المشاهد بعضها والمتحدث عن بعضها بقوله : أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ . و الْفَوْزُ : الظفر بالمطلوب ، أي حالنا هو النجاح والظفر العظيم . وقد أبدع في